الشيخ الطبرسي
167
تفسير مجمع البيان
الذي تتلوه علينا ، ( أو بدله ) فاجعله على خلاف ما تقرؤه . والفرق بينهما أن الإتيان بغيره قد يكون معه ، وتبديله لا يكون إلا برفعه . وقيل : معنى قوله بدله : غير أحكامه من الحلال أو الحرام ، أرادوا بذلك زوال الحظر عنهم ، وسقوط الأمر منهم ، وأن يخلي بينهم وبين ما يريدونه . ( قل ) يا محمد ( ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ) أي : من جهة نفسي ، وناحية نفسي ، ولأنه معجز فلا أقدر على الإتيان بمثله ( إن اتبع إلا ما يوحى إلي ) أي : ما أتبع إلا الذي أوحى إلي ( إني أخاف إن عصيت ربي ) في اتباع غيره ( عذاب يوم عظيم ) أي : يوم القيامة . ومن استدل ، بهذه الآية على أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز ، فقد أبعد ، لأنه إذا نسخ القرآن بالسنة ، وما يقوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنه يقوله بالوحي من الله فلم ينسخ القرآن ، ولم يبدله من قبله نفسه ، بل يكون تبديله من قبل الله تعالى ، ولكن لا يكون قرآنا ، ويؤيد ذلك قوله ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) . ( قل ) يا محمد ( لو شاء الله ما تلوته عليكم ) معناه : لو شاء الله ما تلوت هذا القرآن عليكم ، بأن كان لا ينزله علي ( ولا أدراكم به ) أي : ولا أعلمكم الله به ، بأن لا ينزله علي ، فلا أقرأه عليكم ، فلا تعلمونه ( فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ) أي : فقد مكثت وأقمت بينكم دهرا طويلا من قبل إنزال القرآن ، فلم أقرأه عليكم ، فلا تعلمونه ، ولا ادعيت نبوة حتى أكرمني الله تعالى به ( أفلا تعقلون ) أي : أفلا تتفكرون فيه بعقولكم ، فتعلموا أن المصلحة فيما أنزله الله تعالى دون ما تقرؤونه . قال علي بن عيسى : العقل هو العلم الذي يمكن به الاستدلال بالشاهد على الغائب ، والناس يتفاضلون فيه بالأمر المتفاوت ، فبعضهم أعقل من بعض إذا كان أقدر على الاستدلال من بعض ( فمن أظلم ممن افترى على الله ) أي : لا أحد أظلم ممن اخترع على الله ( كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون ) أي : المشركون ، عن الحسن . فإن قيل : أليس من ادعى الربوبية أعظم ظلما من المدعي للنبوة ؟ قلنا : إن المراد بقوله ( من افترى على الله كذبا ) من كفر بالله تعالى ، فقد دخل فيه من ادعى الربوبية ، وغيره من أنواع الكفار ، فكأنه قال لا أحد أظلم من الكافر . ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون